الجصاص
30
أحكام القرآن
النفي يقتضي نفي كل واحد مما دخل عليه على حياله ، لأن قوله تعالى : ( إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) تحريم للجميع ، ونظيره قوله تعالى : ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) [ الانسان : 24 ] نهى عن طاعة كل واحد منهما ، وكذلك قال أصحابنا فيمن قال والله لا أكلم فلانا أو فلانا أنه أيهما كلم حنث ، لأنه نفى كلام كل واحد منهما على حدة . قوله تعالى : ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) إلى قوله : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) فيه إكذاب للمشركين بقولهم : " لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا " لأنه قال تعالى : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) ، ومن كذب بالحق فهو كاذب في تكذيبه ، فأخبر تعالى عن كذب الكفار بقولهم : " لو شاء الله ما أشركنا " ولو كان الله قد شاء الشرك لما كانوا كاذبين في قولهم : " لو شاء الله ما أشركنا " . وفيه بيان أن الله تعالى لا يشاء الشرك ، وقد أكد ذلك أيضا بقوله : ( إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ) يعني : تكذبون ، فثبت أن الله تعالى غير شاء لشركهم وأنه قد شاء منهم الإيمان اختيارا ، ولو شاء الله الإيمان منهم قسرا لكان عليه قادرا ، ولكنهم كانوا لا يستحقون به الثواب والمدح . وقد دلت العقول على مثل ما نص الله عليه في القرآن أن مريد الشرك والقبائح سفيه كما أن الآمر به سفيه ، وذلك لأن الإرادة للشرك استدعاء إليه كما أن الأمر به استدعاء إليه ، فكل ما شاء الله من العباد فقد دعاهم إليه ورغبهم فيه ولذلك كان طاعة ، كما أن كل ما أمر الله به فقد دعاهم إليه ويكون طاعة منهم إذا فعلوه ، وليس كذلك العلم بالشرك ، لأن العلم بالشئ لا يوجب أن يكون العالم به مستدعيا إليه ولا أن يكون المعلوم من فعل غيره طاعة إذا لم يرده . فإن قيل : أنما أنكر الله على المشركين باحتجاجهم لشركهم بأن الله تعالى قد شاءه وليس ذلك بحجة ، ولو كان مراده تكذيبهم في قولهم لقال : كذلك كذب الذين من قبلهم ، بالتخفيف . قيل له : لو كان الله قد شاء الكفر منهم لكان احتجاجهم صحيحا ولكان فعلهم طاعة لله ، فلما أبطل الله احتجاجهم بذلك علم أنه إنما كان كذلك لأن الله تعالى لم يشأ . وأيضا فقد أكذبهم الله تعالى في هذا القول من وجهين ، أحدهما : أنه أخبر بتكذيبهم بالحق والمكذب بالحق لا يكون إلا كاذبا ، والثاني : قوله : ( وإن أنتم إلا تخرصون ) يعني : تكذبون . قوله تعالى : ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) الآية . يعني أبطل لعجزهم عن إقامة الدلالة ، إلا أن الله حرم هذا إذ لم يمكنهم إثبات ما ادعوه من جهة عقل ولا سمع وما لم يثبت من أحد هذين الوجهين وليس بمحسوس مشاهد فطريق